نورالدين علي بن أحمد السمهودي

197

وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى ( ص )

أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ [ الحجرات : 3 ] الآية ، وذم قوما فقال : ( إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ ) الآية ، وإن حرمته ميتا كحرمته حيا ، فاستكان لها أبو جعفر ، فقال : يا أبا عبد الله أستقبل القبلة وأدعو أم أستقبل رسول الله صلى الله تعالى وسلم ؟ فقال : لم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم عليه السلام إلى الله يوم القيامة ؟ بل استقبله واستشفع به ، فيشفعك الله تعالى قال الله تعالى : وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ [ النساء : 64 ] الآية . فانظر هذا الكلام من مالك ، وما اشتمل عليه من أمر الزيارة والتوسل بالنبي صلى اللّه عليه وسلم واستقباله عند الدعاء ، وحسن الأدب التام معه . وقال أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن الحسين السامري الحنبلي في المستوعب : باب زيارة قبر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، وذكر آداب الزيارة ، وقال : ثم يأتي حائط القبر فيقف ناحيته ، ويجعل القبر تلقاء وجهه ، والقبلة خلف ظهره ، والمنبر عن يساره ، وذكر كيفية السلام والدعاء . منه : اللهم إنك قلت في كتابك لنبيك عليه السلام وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ الآية ، وإني قد أتيت نبيك مستغفرا ، فأسألك أن توجب لي المغفرة كما أوجبتها لمن أتاه في حياته ، اللهم إني أتوجه إليك بنبيك صلى اللّه عليه وسلم ، وذكر دعاء طويلا . وقال أبو منصور الكرماني من الحنفية : إن كان أحد أوصاك بتبليغ التسليم تقول : السلام عليك يا رسول الله من فلان بن فلان ، يستشفع بك إلى ربك بالرحمة والمغفرة فاشفع له . وقال عياض : قال مالك في رواية ابن وهب : إذا سلم على النبي صلى اللّه عليه وسلم ودعا يقف ووجهه إلى القبر لا إلى القبلة ، ويدنو ، ويسلم ولا يمس القبر بيده ، وفي رواية نقلها عياض عن المبسوط أنه قال : لا أرى أن يقف عند القبر يدعو ، لكن يسلم ويمضي . قلت : وهي مخالفة أيضا لما تقدم في مناظرة المنصور لمالك ، وكذا لما نقله ابن الموار في الحج فيما جاء في الوداع ، فإنه قال : قيل لمالك : فالذي يلتزم أترى له أن يتعلق بأستار الكعبة عند الوداع ؟ قال : لا ، ولكن يقف ويدعو ، قيل له : وكذلك عند قبر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ؟ قال : نعم ، انتهى . وحمل بعضهم رواية المبسوط على من لم يؤمن منه سوء الأدب في دعائه عند القبر . نقل ابن يونس المالكي عن ابن حبيب في باب فرائض الحج ودخول المدينة أنه قال : ثم اقصد إذا قضيت ركعتيك إلى القبر من وجاه القبلة ، فادن منه وسلم على رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ، وأثن عليه وعليك السكينة والوقار ، فإنه صلى اللّه عليه وسلم يسمع ويعلم وقوفك بين يديه ، وتسلم على أبي بكر وعمر وتدعو لهما .